محمد بن الطيب الباقلاني

136

الإنتصار للقرآن

فإن قالوا : ما أنكرتم أن يكون المراد بقوله : وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [ الحجر : 9 ] نفس الرسول عليه السلام دون القرآن ، لأنه هو المبدأ بذكره ، لأن اللّه تعالى قال : وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ [ الحجر : 6 ] ، إلى قوله تعالى : وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ، يعني الرسول وأنه محفوظ من الجنون الذي قذفوه به ، وأضافوه إليه ، يقال لهم : هذا أيضا من ضيق الحيلة والطعن ، وتطلّب الغميزة والطعن في كتاب اللّه تعالى ، لأنه لا خلاف بين الأمة في أن المراد بالآية حفظ القرآن ، وأنه بمعنى قوله : إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ [ القيامة : 17 ] ، فلا معنى لما قلتموه ، ولأنه أيضا قطع لسياق الكلام ونظمه ، وردّه إلى أمر مستبعد غير مستعمل في اللسان ، لأن الظاهر من قوله تعالى : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [ الحجر : 9 ] ، أنّه حافظ للمنزّل من الذكر ، فلا معنى لقطع الكلام عن نظامه وحمله على المستبعد ، ولأنه لا تعلّق بين إنزاله للذكر ، وبين حفظه للرسول ، لأنه قد يحفظه وإن لم ينزل عليه الذكر ، فما معنى إناطته إنزال القرآن بحفظ الرسول من الجنون ، هذا ما لا وجه له ، على أنه يكفي / في تصحيح ما قلناه التعلّق بقوله : إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ [ القيامة : 17 ] ، فوجب بذلك سقوط ما ظنوا الانتفاع به ، اللهمّ إلا أن يقولوا إنّ تنزيل هذه الآية الأخرى عندنا : إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ [ القيامة : 17 ] ، فيصيرون بذلك إلى التّرّهات ، وإلى فتح باب يجب تنزيه الكتاب عن ذكره ، ولا طائل في مناظرة من انتهى إلى هذه الجهالات . ثم يقال لهم : إنّ التنزيل ورد كذلك أن قوله : لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ [ القيامة : 16 ] يقتضي جوابا وتماما وصلة ، يجعل الكلام مقيّدا ، فإذا وصل ب إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ [ القيامة : 17 ] لم يكن الكلام مفيد شيء ، لأنه لا ينبغي أن لا يحرّك به الرسول صلى اللّه عليه لسانه ، ويشتدّ حرصه على